ابن قيم الجوزية

181

الروح

هذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحي عنه ، وهذا محض القياس ، فإن الثواب حق للعامل ، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك ، كما لم يمنع من هبة ماله في حياته وإبرائه له من بعد موته . وقد نبه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرد ترك ونية تقوم بالقلب لا يطلع عليه إلا اللّه وليس بعمل الجوارح ، وعلى وصول ثواب القراءة التي هي عمل باللسان تسمعه الأذن وتراه العين بطريق الأولى . ويوضحه أن الصوم نية محضة وكف النفس عن المفطرات ، وقد أوصل اللّه ثوابه إلى الميت ، فكيف بالقراءة التي هي عمل ونية بل لا تفتقر إلى النية ، فوصول ثواب الصوم إلى الميت فيه تنبيه على وصول سائر الأعمال . والعبادات قسمان : مالية ، وبدنية . وقد نبّه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول ثواب سائر العبادات المالية ، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول سائر العبادات البدنية ، وأخبر بوصول ثواب الحج المركب من المالية والبدنية ، فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار وباللّه التوفيق . أدلة المانعين : قال المانعون من الوصول قال اللّه تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى « 1 » وقال : وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 2 » وقال : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ « 3 » . وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو ولد صالح يدعو له ، أو علم ينتفع به من بعد « 4 » . فأخبر أنه إنما ينتفع بما كان تسبب إليه في الحياة وما لم يكن قد تسبب إليه فهو منقطع عنه .

--> ( 1 ) سورة النجم ، الآية 39 . ( 2 ) سورة يس ، الآية 54 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية 286 . ( 4 ) أخرجه مسلم في كتاب الوصية باب ما يخلف الإنسان من الثواب بعد وفاته وأخرجه أبو داود في كتاب الوصايا باب ما جاء في الصدقة على الميت برقم 2880 وأخرجه الترمذي في كتاب الأحكام باب في الوقف برقم 1376 . قال الخطابي في معالم السنن عن هذا الحديث قال : فيه دليل على أن الصوم والصلاة وما دخل -